غير مصنف

أنا والعرّاب

يصادف اليوم ذكرى ميلاد الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق رحمه الله …

عادة تمثل لنا أعياد الميلاد ذكرى سعيدة ولكن عندما يتعلق الأمر بشخص عزيز متوفى فإن الأمر يختلف .. وخاصة إن كان مثل الدكتور أحمد .. برغم أن للحزن مفهوم عام لدينا ولكنه يقبع في قلوبنا بمقادير وأشكال مختلفة ..

تعود الحكاية بالنسبة لي لعام 1995 … كنت وقتها في باحة المدرسة عندما إقترب مني أحد الأصدقاء ملوحاً بكتاب صغير وهو يقول لي :

– أنظر ماذا وجدت .. لغز جديد ولكن مختلف عما قرأناه .

كنا نطلق اسم لغز على أي كتاب صغير الحجم مطبوع بورق أصفر غالباً .. أمسكت الكتاب وتأملته .. يحمل عنوان “حلقة الرعب ” ومكتوب على الزاوية اليمنى من فوق عبارة : ما وراء الطبيعة تحت بومة حمراء العينين .. غريب .. هذه ليست قصة بوليسية كألغاز المغامرين الخمسة .. يبدو أنه لغز يتكلم عن قصص مرعبة ..

– بإمكانك استعارته اليوم .. ولكن أعده لي غداً فهو ليس لي .

كانت هذه شارة البداية لدخولي عالم قصص أحمد خالد توفيق .. وخلال السنوات التالية كانت إصداراته قد بدأت تحتل جزءاً لا بأس به من الرف الذي كنت أسميه تجاوزاً بالمكتبة …

إسلوبه الساحر في الكتابة والذي يشدك حتى نهاية القصة لينتابك الندم بعدها على كونك فرغت منها بهذه السرعة .. سيستغرق إنتظار وصول الأعداد القادمة وقتاً طويلاً حقاً .. بدأت أكتشف بعدها السلاسل الأخرى .. فانتازيا في البداية وبعدها سافاري .. كانت الأعداد الخاصة وجبة دسمة لها طقوسها الخاصة .. انتظار الليل وتحضير كمية ضخمة من صاندوتشات الجبن وإبريق شاي كبير وبعدها أبدأ القراءة محاذراً أن ألوث الصفحات .. مرة قرأت العدد الخاص : بعد منتصف الليل وأنا أقف منتظراً في صبر أمام عيادة أحد الأطباء .. كل عدد من تلك السلاسل القصصية له عندي ذكرى معينة تنساب في ذاكرتي لو أعدت قراءته مرة أخرى .. أغلب تلك الذكريات تستحضر لي برودة الشتاء ورائحة مدفئة المازوت والخبز المحمص فوقها .

على أني بدأت أتعرف خلال الأعوام الأولى بعد سنة 2000 على دكتور أحمد بوصفه كاتب مقال من الطراز الممتاز .. كانت هناك مدونة متخصصة بمقالاته فقط قام صاحبها مشكوراً بجمعها من الصحف والمواقع الالكترونية ونشرها هناك وكنت أتابعها باستمرار .. لم يخيب دكتور أحمد ظني أبداً بمواقفه من مختلف القضايا في حين أن العديد من الكتّاب قد أفقدوني احترامي لهم ..

لم أنقطع عن قراءة اصداراته وخاصة الروايات التي بدأ بكتابتها بمعزل عن السلاسل وأكثر واحدة منها لفتت انتباهي هي “مثل ايكاروس” .. لو لم تقرأها بعد فأنصحك بقراءتها .. كنت أنتظر دائم رواياته تلك الشبه سنوية .. والكتب التي تجمع فيها مقالاته والتي لا أمل من قراءتها بين حين وآخر

كنت جالساً في غرفتي عندما قرأت خبر وفاته .. ظللت طوال الليل غير مصدق .. يقولون أن الأحزان تخفت مع الزمن ولا يتبقى منها شيء .. يبدو أن هذا الحزن مختلف أو لم يسمع بتلك القاعدة .. الحزن الذي يملأ عينيك بالدموع مهما طال الزمن .. هناك أحزان لا يليق بها أن تختفي بل هي ولدت لتبقى بجانبك حتى تموت أنت ..

رحمك الله يا دكتور أحمد يا صديق العمر الذي لم أجتمع به قط وكم كنت أتمنى ذلك .

التصنيفات :غير مصنف

10 إجابات »

  1. أعتقد أن صاحب المدونة هو صديقي أحمد رسلان، وهو صديق صدوق لدكتور أحمد.
    كنت محظوظًا لألقاه مرةً في فطور رمضاني، إنسان غاية في التواضع وغاية في الاحترام. عندما تجلس معه تحس أنه صديق قديم، لا يشعرك بالفرق بينك وبينه، رغم أنه أستاذ طب المناطق الحارة في الجامعة التي درست فيها، الا أن جميع طلابه يعتبرونه الأب الروحي.
    رحمه الله.

    Liked by 1 person

  2. لم أقرأ له يومًا، لكنني ممتنة لما قدم للشباب العربي.
    كانت قراءة ممتعة لحكاياتك مع كتبه وذكريات برفقتها، وأعجبني مقطع ساندويشات الجبن وإبريق الشاي😁

    “هناك أحزان لا يليق بها أن تختفي بل هي ولدت لتبقى بجانبك حتى تموت أنت ..”
    عميقة فعلًا هذه العبارة، وهذا النوع من الأحزان رغم ما يصاحبه من ألم لكنك أيضًا لا تفرط به.

    شكرًا على التدوينة

    Liked by 1 person

    • العفو .. لو أردت القراءة له يوماً أنصحك بأي عدد من سلسلة فانتازيا أو روايات عالمية للجيب .. كان رحمه الله يعرف كيف يمزج بين إعطاء المعلومات وبين متعة السرد .. هناك أيضاً كتاب جميل له اسمه : اللغز وراء السطور أحاديث من مطبخ الكتابة …
      شكراً لقراءتك التدوينة .

      Liked by 1 person

  3. أسمع عنه كثيرًا هذه الفترة، و أقرأ له بعض الاقتباسات، تشجعت بعد هذه التدوينة لأقرأ كتابًا كاملًا له و أخذت ترشيحاتك في التعليق أعلاه 🙂
    شكراً

    إعجاب

  4. أحب د. أحمد خالد توفيق وأحب كل ذكرى متعلقة به وكل شيء يفوح بذكراه وبرائحته.. على الرغم من أنه كان يعيش في مدينتي طنطا ويسكن على بعد كيلو مترات منّي إلا أنه لم يحالفني الحظ وأقابله مرة صدقة.. ذكر في إحدى مقالاته مرة عن أنه كان يتمشى على كوبري في طنطا يسمى كوبري قحافة.. أتمشى هناك كثيرًا وأشعر به إلى جانبي كأنه أبي..
    كان الدكتور رحمه الله يتفاعل مع الشباب والكتّاب على الإنترنت في منتدى روايات.نت قبل أن يغلق منذ سنوات.. آخر مشاركة قرأتها له كانت بعد الإنقلاب في 2013.. وكان له صيت واسع في أرجاء كثيرة على الإنترنت أيضًا.
    رحمه الله، فقد أحبه كل الشباب، وأحبه كل من يسمع عنه، ولم يكرهه غير صعاليك الدولة لأنه لم يتخاذل يومًا مثلهم!

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s