قصص من هامش الحياة – الإمام وشرطي المرور

كنت وقتها في سن السادسة من عمري تقريباً .. منتصف الثمانينات حيث لا هواتف ذكية ولا إنترنت ولا قنوات تبث برامجها ليل نهار … أدوات التسلية المحدودة التي تتمثل في الكتب والتلفاز القليل البث كريه البرامج إلا ما ندر .. البرامج التي تشاهد فيها أكوام من البشر لا تكف عن التصفيق .. باستثناء برامج الأطفال طبعاً ..

في ذلك الزمن كانت الزيارات العائلية وغيرها تشكل أكبر قدر من التسلية وتمضية الوقت .. يتجمع الناس في البيوت والدكاكين والحدائق إن وجدت لتبادل الأحاديث والنميمة وشبه النميمة ..

كان يوجد أسفل بيتنا هناك دكان لبيع وشراء العقارات وكان أبي يمضي وقتاً لا بأس به هناك كونه صديق لصاحب الدكان وباقي الجالسين شبه الدائمين فيه .. وكان يصطحبني أحياناً لقضاء الوقت هناك .. طفل يجلس متسمراً وسط الكبار يستمع لأحاديث لا يَفهم من معظمها أي شيء.

من بين الجالسين كان هناك إمام الجامع الموجود في منتصف الشارع .. رجل مهيب بجلبابه وعمامته ولحيته الرمادية .. نظر لي مرة بهدوء وسألني :

– ماذا ستفعل لو مشيت لوحدك ذات مرة وتُهت ولم تعرف كيف ستعود الى البيت ؟

الصمت والخجل … لم أدري بم سأجيبه .. بالنسبة لي كانت الدنيا هي شارع البيت وبيوت الأقارب ولم أكن أخطو خطوة واحدة بمفردي فكيف سأتوه !؟ إستحثني والدي على الإجابة فقلت بصوت خافت :

– لا أدري .

ابتسم الإمام بحنكة وقال :

– تذهب لشرطي المرور الموجود في الشارع وتخبره عن اسم والدك وتخبره بأنك تائه .

هكذا انتهى الحديث وشعرت بعدها بنوع من الاطمئنان بأنه لن يصيبني أذى مطلقاً مع وجود شرطة المرور الطيبين الذين يملئون الشوارع ليساعدوا التائهين ويخلصونهم من ضياعهم .

لكني اكتشفت فيما بعد أن لا وجود لشرطة المرور إلا في بعض شوارع مركز المدينة وأن إرشاد التائهين ليس من اختصاصهم .. ولم أصادف مطلقاً شخصاً تائهاً يسألهم عن الطريق .. وكان ذكرهم مرتبطاً بشكل ساخر بالعملة النقدية التي من فئة الخمس وعشرين ليرة والتي هي تسعيرة أغلب المخالفات الحقيقية والمخترعة ..

في العام 2011 وفي أوج أيام الثورة والمظاهرات كنت أنتظر أحد أقاربي لنذهب لشراء لابتوب له .. باعتباري المستشار التقني في العائلة .. حين رأيت مظاهرة ضخمة قادمة من منطقة الكلّاسة ومتجهة نحو ساحة سعد الله الجابري التي تشكل قلب مدينة حلب .. تفاجئ الشرطي الذي كان يقف عند الإشارة بالمظاهرة وحجمها .. كنت أراقبه من مكان قريب .. نظر لأكوام الناس القادمين في حيرة .. ثم أوقف السير وأشار لهم بالمرور …..

لا أدري بما كان يفكر وما الذي دفعه لاتخاذ هذا القرار الغير مسبوق .. مرت حشود الناس ووقف هو يراقبهم بوجهه متجهم وعينيه الساهمتين .

خطر لي وقتها كلام إمام الجامع وسألت نفسي : هل كان يقصد هذا الشرطي بالذات !؟ .. أم كان كلامه هو سخرية مضمنة من أولئك الذين هم الأبعد عن إرشاد الناس فضلاً عن أن يأتي خير ما عن طريقهم .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s