التراث الشخصي

العناوين تجعل الأمور واضحة، للدقة ليس بشكل دائم، تقرأ عنوان المقالة فتدخل لكي تقرأ عن التراث الشخصي، هذا شيء جميل، ولكن ما هو التراث الشخصي؟

التراث الشخصي.. الماضي الذي رسم شخصيتك

التراث كمصطلح يطلق على الموروث الذي يخص شعباً ما ثقافياً وتاريخياً، تلك القيم والعادات والتقاليد والتفاصيل الأخرى كالأمثال والأغاني والأزياء وطريقة ارتدائها، بمعنى آخر جميع المعارف التي تم نقلها من الأجداد على مر الزمن، هذا تعريف مختصر للتراث وهنا تجد كلاماً أشمل عن هذا الموضوع.

التراث الشخصي كمفهوم قريب من هذا المعنى، ولكنه يُعنى بتفاصيل تخص الحياة الشخصية للأفراد وليس الشعوب، الملامح المادية والنفسية المتراكمة عنك عبر الوقت الذي قضيته في الحياة، التفاصيل الصغيرة التي كبرت وعاشت معك على مر الزمن،التفاصيل التي تجلب لك البهجة والحنين والشعور بالشجن، والتي ساهمت بأشكال مختلفة بتشكيل شخصيتك بإيجابياتها وسلبياتها بالإضافة إلى رمزية بعضها في التعبير عن عقدك الشخصية تجاه أحلام لم تتحقق قط، تلك الصور والكلمات التي تسبب رؤيتها لك الألم ولا تجرؤ رغم ذلك على التخلص منها، إنها موجودة حولك بشكل قد لا تتوقعه

تلك الورقة المخبأة بين الصفحات

المجلات والكتب التي تحتفظ بها منذ فترة طويلة والتي لديك ذكرى معينة مع كل واحدة منها تنتابك عندما تلتقطه وتقلّب صفحاته لتعيدك رائحته تلقائياً إلى تلك الذكرى، وقد تجد ورقة ما خبأتها بين صفحاته لترتسم بسمة باهته مع شرود أو تعبير حزن ما على رغبات لم تتحقق قط، الكتب هي وسيلة مضمونة للاحتفاظ بالتراث الشخصي وبالأخص عن طريق تلك الأسطر القليلة التي تكتبها على هوامش الصفحات، أبيات الشعر وتلك الأقوال المقتضبة الغنية المعنى التي أثرت بك وتلك الكلمات التي عجز قلبك على إحتوائها بمفرده فداريتها بين صفحات الكتاب الذي تعلم تماماً أنه لن يغادر مكتبتك قط ما دمت حياً، العبارات المقتضبة المثيرة لخيال من سيقرأها من بعدك لتلهب تفكيره بعشرات التساؤلات.

صور ورسائل من الماضي

تلك الصور القديمة التي تضمك مع أناس مختلفين، أصدقاء وأقرباء ومعارف، بعضهم ما زال حولك وبعضهم رحل منذ زمن سواء عن الدنيا كلها أو لمكان ما بعيد، الصور المختومة بإسم الاستديو وتاريخ التصوير على الطرف الآخر، وهناك من كان يكتب عليه رسائل كاملة أيضاً، ستصيبك مشاعر مختلفة عندما تتأمل إحدى تلك الصور وتكتشف كم يغيّر الزمن أشياء وأشياء وكيف تنقلب الصداقة الحميمة الى عداوة صريحة، وكيف أن العديد ممن كانوا حولك قد رحلوا قبل تمكنك من أن تتعرفهم حقاً.

رزمة الرسائل القديمة التي تشكل دفتر ذكريات من نوع آخر، الأخبار والأحداث والمشاعر المكتوبة، والتي توثق جزءًا لا بأس به من مرحلة ما من حياتك من خلال الأحاديث التي كنت تتبادلها من خلالها مع شخص ما بعيد عنك، في زمن كان هذا الأمر يحتاج لكي يحصل لما هو أكثر وأطول من مجرد ضغطة زر.

عندما يظهر دفتر الذكريات

دفتر الذكريات الذي ملأتَ صفحاته بأحداث وأشياء طريفة أحياناً وحزينة أحياناً أخرى، ذلك الدفتر الذي خبأته في مكان سري ما لكي لا يعثر عليه أحدهم وتبدأ سلسلة الفضائح والإبتزازات المقيتة ونجحت في ذلك لدرجة أنك نسيت أنت نفسك أين خبأته، تلك الذكريات التي يضمها ستصيبك بالدهشة لو عثرت عليه في وقت لاحق أثناء عملية تنظيف أو ترتيب ما وتصفحته لتكتشف كمّ الذكريات والأشياء والوجوه التي نسيتها.

الألعاب القديمة التي نجت وبقيت سليمة، أعتقد أن هذا الأمر يخص الفتيات أكثر لدرجة ما، تلك الألعاب الجميلة ذات جودة التصنيع العالية قبل أن تطغى موجة الاستهلاك السريع على كل شيء.

تلك الأغنية القابعة دائماً داخلك

أشرطة الكاسيت التي كنت تستمع لها في شبابك والمركونة الآن في زاوية ما في أحد الأدراج أو داخل تلك القاعدة المصممة خصيصاً لها،والذي يعبر بعضها عن قصة حب منحت قلبك نبضاً زائداً على إيقاع ألحانها، أغنية قديمة تدمدم لحنها في لحظة ما لتبحث بعد ذلك عنها في اليوتيوب لتضغط بعدها زر التشغيل وتغمض عينيك لتسبح نحو لحظات تفصلك سنوات طويلة عنها، تغمضها لتنسى وتسمع صدىً لأحاديث وضحكات وصوت حفيف أوراق الشجر.

قطع الحاسب القديمة التي تحتفظ بها في خزانة ما، والتي تمثل بالنسبة لك نقطة البداية التي انتهت بك لكي تكون مبرمجاً أو مصمماً أو على الأقل الراعي الرسمي في العائلة لكل الاستشارات والمشاكل المتعلقة بالتقنية.

أمجادك الشخصية!

هل أنت جالس في غرفتك الأن؟

لو كنت كذلك فتأمل ما حولك جيداً، هل ترى تلك الدراجة القديمة التي ركنتها في زاوية الشرفة؟

هل ترى تلك الآلة الموسيقية الموضوعة على إحدى الرفوف المغلفة بقليل من الغبار؟

أم تلك الكؤوس التي وضعتها في ركن بارز من الغرفة؟

هناك مئات الاحتمالات، هل تراها!؟ إنها ما حققته من مجدك الشخصي، الأيام المليئة بالإصرار والحماس والتعب التي كنت تدفعها بسخاء لكي يصفق الناس لك في النهاية ويغمرونك بنظرات الإعجاب وعبارات التهنئة والمديح وتقف أنت بينهم ببالغ الفخر والفرح، هناك من تود ذلك منهم أكثر من غيرهم، تنظر لهم بتساؤل فترى ما يجعل الحياة رائعة بما لا يقاس، تلك اللحظات التي تحفر في نفسك علامات لا تنسى عن أبرز ملامح تراثك الشخصي.

التفاصيل التي هي ببساطة: أنت!

هذه التفاصيل التي تمتلأ بها غرفتك أو أي مساحة تخصك في البيت، وقد يكون البيت كله ممتلأ بها، وحتى إن منعك الاعتياد اليومي عليها من الشعور بوجودها فهي المفردات التي تشكل شاهداً على الذكريات البعيدة والقريبة وعلى نبض حياتك في الدنيا كإنسان، التفاصيل التي تشعل الأضواء في زاويا مظلمة في تلافيف عقلك، أموراً حسبت أنك نسيتها تماماً لتكتشف أنها قابعة هناك تنتظر لحظة ما لكي تبرهن لك أنها غير قابلة للنسيان بتلك السهولة، تراثك الشخصي بكل موجوداته المادية والنفسية، ما تحتفظ به إن كان الله قد جنّبك مرارة أن تغادر بيتك دون أن تدري أنها ستكون آخر مرة تراه بها وتعلم بعدها بأنها لم تعد موجودة ويضيع بعدها تراثك الشخصي ولا يبقى منه إلا ما تحتفظ به في ذاكرتك ووجدانك وحسب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s