غير مصنف

الأماكن التي لم تكن

لو سألت شهوداً على حادثة معينة رأوها بأنفسهم ستجد أن كل منهم سيحكيها بطريقة مختلفة لدرجة أن هناك من سيخبرك بتفاصيل لم تحدث أساساً .. هذا يثير جنون المحققين ويظهر قنوات الإعلام بأنها تختلق الأحداث لكي تزيد نسبة المشاهدين والاعلانات وتصبح القشة معدن.

السؤال هنا : هل كان الشهود كاذبون !؟

الواقع أن كلامهم كان كذباً بالتأكيد ولكنهم كانوا يؤمنون بكل كلمة تفوهوا بها .. ولو وضعتهم على أدق أجهزة كشف الكذب فلن تختلف النتيجة .. أجهزة كشف الكذب التي لم نعد نراها في السينما ومسلسلات الجاسوسية.

في أحيان كثيرة لا نرى ما هو موجود في الحقيقة بقدر ما نرى ما نحب أن نراه حقاً .. كل منا ينظر الى الأمور من زوايا مختلفة ولكن قد يتدخل الخيال أحياناً لفرض ما يود أن يكون موجوداً وليس ما هو موجود فعلياً .. نوع من النكران الذي يهرب به الناس من الواقع الثقيل من جهة ومن جهة أخرى يحاول عقلهم الباطن أن يخفف من آثار صدمة المشهد لكي تبدو الأمور محتملة أكثر .. الإبتعاد عن التفاصيل الكئيبة والتركيز فقط على الإيجابيات رغم قلتها .. هذا التكتيك العقلي يمنع الكثير من البشر من أن يدخلوا في نوادي الإكتئاب والجنون .. الأشياء الجميلة التي تجعل الحياة ممكنة .. وهكذا يتحول مجرد مرور عربة أحد المشاهير من نفس الشارع التي تصادف مرورك منه في ذلك الوقت الى حكاية طويلة تبدأ بتوقف العربة وتلويح تلك الشخصية المعروفة لك وأخذ صورة معه وتبادل الأرقام ووعد بزيارة قريبة.

الأطفال هم فرسان هذا المجال بما لا يقاس .. يستطيعون اختلاق أحداث كاملة وهم مقتنعون تماماً بأنها حقيقة أكثر من الحقيقة نفسها .. وتتحول أحياناً تلك الأحداث الى ذكريات تظل عالقة في خيالهم مع تقدمهم في العمر على أنها جزء أصيل من ذكرياتهم .

حدث مرة أن اصطحبني أبواي لزيارة أحد الأقارب وأتذكر أننا جلسنا في صالة عبارة عن غرفتين يفصل بينهم باب خشبي جرار .. كانت الغرفة الأخرى مظلمة الى حد ما وخالية من أي شيء سوى من بيانو ضخم وضع في منتصفها .. بعد قليل جاءت إحدى قاطنات المنزل وجلست وراء البيانو وأخذت تعزف .. لا أتذكر من ملامحها سوى أن شعرها كان عبارة عن ضفيرة ضخمة .. جلسنا قليلاً بعدها ثم انصرفنا.

تذكرت ذلك الحادث بعدها بسنوات عديدة .. سألت أمي وأبي عنه فضحكوا باستغراب وأكدوا لي أننا لا نعرف أي أقرباء أو غيرهم يمتلكون بيانو في منزلهم .. شعرت بحيرة كبيرة وقتها .. ما زالت تفاصيل الزيارة عالقة في ذهني لدرجة تجعل من الصعب الاقتناع بأن هذا لم يحدث حقاً .. الأمر أجمل من أن أعترف لنفسي أنه مجرد خيال صبي صغير .. ولكن برغم كل شيء فمن الجميل أن تكون قد حضرت في يوم من الأيام عزفاً على بيانو موضوع وسط غرفة شبه مظلمة من فتاة ذات ضفيرة حتى إن كانت هذه الغرفة موجودة في خيالك فقط .

رابط الصورة البارزة

التصنيفات :غير مصنف

تم وسمها:،،

إجابة واحدة »

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s