قصص من هامش الحياة

المدرس الذي أصبح سائق تاكسي

كان الوقت ليلاً في ذلك اليوم من بداية سنة 2006 .. الشوارع شبه الخالية والبرد الذي خلا له الجو وأخذ يعصف معربداً في كل زاوية ..

أغلقت أزرار المعطف في إحكام وأسرعت الخطا مغادراً السوق القديم حيث يقع عملي .. كان عليَّ شراء بعض الحاجيات قبل الذهاب للمنزل وكان من بينها بعض المكسرات للضيوف الذين سيسهرون عندنا في تلك الليلة .. مشيت منتقلاً من دكان لدكان حتى وصلت لمتجر المكسرات .. كان معروفاً بجودته وأسعاره المرتفعة ولكن لا بأس أن يحدث هذا بين كل وقت وآخر فكما تعلمون : ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان .

غادرت المتجر ووقفت أمامه أتأمل الشارع الخالي .. سيكون علي أن أجد وسيلة مواصلات توصلني للمنزل .. وبعد أكثر من نصف ساعة من الانتظار أدركت أن الأمر ليس بهذه البساطة .. يبدو أنه لا توجد سيارات أجرة في هذه المدينة ..

فكرت بحل ما بلا جدوى ووجدت أن قدماي أعادتني في هذه الأثناء الى الشارع الذي بدأت منه مشواري .. هناك على زاوية من زوايا الشارع كانت تقف سيارة أجرة وهي تتهيأ للسير .. أسرعت له في حبور .. يبدو أنه كانت لديه توصيلة ما ووصلت أنا في الوقت المناسب .. أشرت له فهدأ من سرعته ووقف بجانبي .. فتحت الباب وجلست وأنا أتنهد بارتياح .. التفت للسائق وقلت له برتابة :

  • الحمدانية لو سمحت ….

خطر لي أن ملامح السائق مألوفة الى حد ما .. عدت لأنظر إليه وبدأت أتذكر ..

عام 1999 .. أيام الجامعة والمحاضرات والدوام الذي كنا نقضي أغلب ساعاته في التسكع بين أقسام الجامعة .. هناك محاضرات كنا تتسابق في حضورها وأخرى في الهروب منها .. هذا شيء طبيعي .. السبب غالباً يكون محاضر المادة .. هناك من لديهم مقدرة فعالة على أن تكره نفسك أيضاً وليس فقط مادته .. من تلك النوعية كان عندنا .. لسوء الحظ .. محاضر من العيار الثقيل .. كانت محاضرته أشبه بفيلم رعب نفسي .. يدخل ويرمق الحاضرين بنظرة أمنية حادة تجعل الجميع يلوذ بالصمت .. لسانه سليط جداً وعنده موهبة خاصة في التعنيف .. معاملة لا تفرق بين مشاغب وغيره .. كنا مضطرين للتواجد بمحاضراته فهناك علامات للحضور .. تمضي الدقائق ثقيلة جداً قبل أن يأتي الخلاص ونخرج غير مصدقين أننا نجونا هذه المرة .

حكيت لخالتي مرة عما نقاسيه من ذلك المحاضر وهي بالمناسبة خريجة نفس القسم الذي كنت أدرس به .. ضحكت في دهشة وأخبرتني أنه كان في زمانها محل للسخرية من الطلاب برقته وصوته الهادئ .. وكان وقتها يتكلم دائماً وهو يتحسس خاتم الخطبة فينصحه الطلاب بسخرية بأن لا يفرك الخاتم كثيراً وإلا ستخرج له خطيبته منه .

شعرت بالدهشة ووازنت بين الكائن المرعب الذي أعرفه والذي لا يجرؤ أحد من الطلاب على النظر له وهذا المخلوق الخرافي الذي تتكلم عنه ثم صمت في دهشة .. يبدو أن الأيام فعلت فعلها ولقنته درساً في كيفية حماية نفسه من سخرية الطلاب .. الواقع أننا نحن من وقعت هذه القصة على رؤوسنا بسخرية غيرنا .

مضت السنوات وتخرجت وحصلت أشياء وأشياء ونسيت أسماء وأشياء حتى جلست داخل ذلك التاكسي في تلك الليلة الباردة متأملاً السائق الذي هو نفسه ذلك المحاضر .. وعلى الرغم من أني لم أحمل له في قلبي ذلك الود المفقود ولكني شعرت بغصة أليمة .. مهما حدث كان من المفترض أن يتقاعد ويجلس في بيته لا أن يحتاج لأن يعمل بهذا العمل المتعب الذي لا يفرق بين ليل ونهار .. هذا العمل الذي له أناسه وعمره ولا شك أنه لا ينتمي لذلك ولا لذاك .

مددت يدي وضيّفته كمية لا بأس بها من المكسرات .. هذه كانت المرة الوحيدة الذي أراه فيها مفرود الوجه وقد ارتسمت عليه دهشة خفيفة .. لا أعتقد طبعاً أنه تذكرني .. لذنا بالصمت حتى نهاية التوصيلة وخرجت بعدها من العربة .. البرد مُعتلُ العينين يلفح كل ما يراه أمامه والأضواء الخلفية لسيارة الأجرة تبتعد في هدوء .

رابط الصورة البارزة

4 إجابات »

  1. عندما نندمج في القصة يا عامر ونبدأ نتشوق لمعرفة ماذا سوف يحدث بعد ذلك نجد أنها انتهت.
    رأيي – كقارئ فضولي- أن تكتب مزيد من التفاصيل وتجعل لها خاتمة ترضي فضول القارئ

    إعجاب

    • أشكرك على رأيك أبو إياس .. هذه القصة هي حادثة صغيرة جرت لي وقد ركزت هنا على الحدث الأساسي ولم أشأ أن أطيل حتى لا يهرب أحد من القراءة حتى النهاية 🙂 ..
      لكن ما قلته أسعدني حقاً ويبدو أنني لم أحسب حساب أن هناك من يريد أن يقرأ باستفاضة .. سأضع ذلك في حسباني المرات القادمة إن شاء الله .. أنا ثرثار بطبعي وهذا يلائمني أكثر .. تستطيع أن تقرأ روايتي ومجموعتي القصصية فأنا أبتعدت هناك عن الاختصار قدر الإمكان 🙂 ..

      أشكرك مجدداً على تعليقك .

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا على عامر حريري إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s