قصص من هامش الحياة

حين كان اليمين يساراً

سأعود بالزمن قليلاً الى منتصف الثمانينات .. لقد مضى الزمن بسرعة كعادته حتى أصبحت أيام الثمانينات بعيدة وهناك ممن هم من جيلها قد أصبح كهلاً أو اقترب من الكهولة .

كنت وقتها في الرابعة من عمري وقد حان الوقت لدخولي روضة أطفال .. كانت تلك المؤسسات متواجدة بشكل قليل في حلب .. وأغلبها ملكية خاصة أو تابعاً لإرسالية مسيحية .. وكانت أقرب واحدة من المنزل هي روضة الرسالة وهي تابعة للقنصلية الأرمينية .. ولأن أغلب أطفال العائلة وقتها قد التحقوا بها فقد وجدت نفسي في يوم ما أقف في ساحة الروضة الداخلية مع عدد ممن هم في سني .. كان نزعي من أحضان أمي أمراً كارثياً بالنسبة لي وصراخي كان أكثر سوءاً ولم أهدأ إلا بعد أن وجدت بعض الوجوه المألوفة من حولي وبدأنا في اللعب .

في الصباح كانت تقف أمام المبنى حافلة زرقاء صغيرة تنتظرني في صبر حتى أصعد داخلها .. وبعدها تنطلق نحو الروضة وبعد عدة دقائق كنا نصطف في باحتها بأرتال تحوي صفوفاً من طفل وطفلة يمسكان بيد بعض وبعدها نغادر ساحة الروضة نحو الصفوف ولا نعود لها إلا في حصص الرياضة.

في حصص الرياضة تلك كان معلموا الرياضة يوزعوننا على شكل أرتال عريضة متباعدة ويقف أحدهم بمواجهتنا ويطلب منا أن نرفع يدنا اليمنى .. نقف حائرين فيقول أنه علينا أن نرفع اليد التي هي عكس يده ويشير لنا الى يده الأخرى

ننظر له في جمود ويهمس أحدنا بحيرة :

  • هل يظن أن يده اليسرى هي اليمنى .. لماذا جسمه هكذا عكس أجسامنا !؟

نصمت قليلاً ثم يقول أحدنا في خطورة :

  • قد يكون السبب أنه مسيحي وهذا يجعل يساره على اليمين ويمينه بالعكس .

نهز رؤوسنا باقتناع ونتابع القفز والتحرك في صمت .

مرة كانت معلمة الصف تقوم بتفتيش على الأظافر .. ويبدو أن أظافري كانت طويلة لأنها نبهتني أن لا آتي مرة أخرى وأظافري بهذا الشكل .. نظرت الى أظافرها الطويلة الملونة وقلت لها في حنق :

  • ولكن يا أنسة أظافرك أنت أيضاً طويلة !!

ضج الصف بالضحك ولم تدري المعلمة أتغضب أم تضحك .. ربما شعرت بالدهشة أيضاً تجاه هذا الطفل الذي لم يخف ويصمت كعادة أقرانه واعترض على هذا التناقض بين ما تقوله وما تفعله .. التناقض الذي كان أسلوب حياة في سوريا الثمانينات وما بعدها ..

في رأس السنة كان هناك احتفال كبير في الروضة يأتي فيه بابا نويل .. الذي كانت تقسم أحد الفتيات أنه أخو صديقتها وليس الحقيقي .. بأكياس مليئة باللعب الصغيرة والحلويات .. وكنا نتبادل الأكياس حتى نصل للبيت وتبدأ الفتيات بالصراخ والبكاء لأن أكياسهن لا تحوي هدايا كأكياس الصبيان .

مرة كان ابن عمتي جالساً مع أحد أصدقائه في الصف يكتبون وظيفة ما وكان البقية يلهون في الساحة .. فرغ قلم صديقه من الحبر ولم يعد يستطيع إكمال الوظيفة .. هنا أخبره ابن عمتي بكل حماس أن يبري اصبعه كما يفعل مع القلم الرصاص ويكتب به وتبرع أيضاً بإعطاءه مبراته الكبيرة .. أمسك ذلك الصديق المبراة وأدخل اصبعه فيها وبدأ في إدارتها .. وكان الكثير من البكاء والصراخ بعدها .. يبدو أنه لم يستطع إنهاء وظيفته لسبب وجيه .

كان لدي صديق أعتقد أن اسمه سمير .. أتذكر اسمه لأنه اسم خالي أيضاً .. كان شعر سمير طويلاً وكانت أمه تضع له مشبك شعر صغير لكي لا تسقط غرته أمام عينيه ولذلك كان يتلقى أكوام من التنمر والسخرية من باقي الأطفال وخصوصاً من طفل معين ذو شعر أشقر كان يبدو أكبر منا جميعاً وكان لا يسمح لأحد سواه أن يفتح نافذة الحافلة الحديدية التي وضعوها في الأعلى وكان يفعل ذلك برأسه !! .. ولا تسألني كيف يستطيع طفل صغير أن يفعل ذلك .. هذا ما كان يحدث ولا يوجد عندي شهود .. الشهود غالباً قد توزع من بقي منهم حياً في أرجاء الأرض وضاعت الحقيقة .

بقيت هناك لسنتين ثم لم تعد عربات التوصيل تأتي لمنطقتنا .. وهكذا اضطررت للذهاب الى المدرسة الحكومية .. لكن هذه حكاية أخرى .

لكن برغم الوقت القصير الذي قضيته هناك فهناك أمور عديدة اكتسبتها هناك أثرت على شخصيتي بشكل لم يمحى مع تقدم الأيام .. عندك مثلاً عادة معينة لم أكن أعرف من أين اكتسبتها .. عادة عدم رمي أي شيء في الشارع .. بدلاً من ذلك كنت أضعها في كيس وأبقيه معي حتى أرى مكب نفايات أو أعود للبيت .. هذا كان يعرضني للكثير من السخرية .. وكنت أستغرب من هذا السلوك ولا أدري من أين تعلمته .. مؤخراً جلست مع أحد الأصدقاء وتبادلنا أحاديث حول ذكريات الطفولة .. اكتشفت بعدها أنه كان مثلي في هذه العادة وبعد عدة أحاديث عاد وأخبرني أنه كان يذهب الى روضة أطفال خاصة .. أه ها هي ذي .

عادات وأمور اكتسبتها كانت تجعل تأقلمي مع المجتمع حولي غير كامل بالمرة .. وأُضيفَ عليها فيما بعد القراءة التي زادت من تلك الفجوة بين ما هو مكتوب وما هو متاح .

رابط الصورة البارزة

إجابتان »

  1. طفولة مشتركة إلى حد ما، خط سير متتابع المعالم تشير فيه الأجيال من مختلف البقاع، والوجهة معروفة سنصل ونكبر وتصبح ذكريات نضحك عن استحضارها ونصمت ونغرق في صمت الخنين إلى أزمنة البراءة ورقة الروح، أحببت التدوينة كما علمت.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s