قصص من هامش الحياة

ليلة البحث عن مأوى

هل اكتشفتَ في لحظة ما أنك لا تملك مكاناً تبيت به ؟ .. هذا يحدث كثيراً هذه الأيام خاصة عندما يصبح منزلك غير متاحاً أو غير موجود لسبب ما .. والأسباب عديدة .. ومن ثم تضطر الى البحث عن مكان آخر وقد لا تجد أو تجد مكاناً بشروط وأوضاع تستطيع بالكاد أن تتأقلم معها إلا لو كنت مضطراً .

كانت لي تجربة شبيهة استمرت ليلة واحدة ..

شتاء العام 2002 الذي بدأ يقترب من نهايته وأنا كنت في الخدمة العسكرية في منطقة بالقرب من دمشق .. كنت معتاداً وقتها على مغادرة مكان الخدمة من مساء الخميس حتى ليل الجمعة وقضاء الوقت بين بيت عمتي القاطنة في دمشق وبين بعض الأصدقاء القاطنين هناك أيضاً في بيت قاموا باستئجاره بالقرب من أماكن خدمتهم المختلفة .

وصلت في ذلك اليوم لبيت عمتي لأكتشف بعدها أن هناك ضيوفاً من محافظة أخرى سيأتون لزيارتها والمبيت عندها .. أي أنه ليس لي مكان عندها هذه الليلة .. لا بأس لدي الخيار آخر وهو بيت أصدقائي .

غادرت بيت عمتي وتوجهت الى هناك .. قرعت الباب عدة مرات بلا جدوى .. يبدو أنهم سافروا جميعاً الى حلب .. هذه مشكلة حقاً .. ماذا سأفعل الآن !؟ .. نظرت الى الساعة التي كانت تشير للتاسعة مساءً .. لم يعد هناك مواصلات لمكان الخدمة التي كان كما ذكرت خارج المدينة ..

إلى أين سأذهب !؟

فكرت بقضاء الليلة متجولاً في الشوارع بلا هدى حتى الصباح وبعدها سأعود الى مكان الخدمة وعندها سأعوض ساعات النوم الضائعة .

بدأت بالسير بلا هدف متنقلاً من منطقة الى أخرى .. اكتشفت بعد حوالي الساعتين أن الأمر ليس بهذه البساطة وأني متعب حقاً وبدأ النعاس يتسلل الى وعيي .. بحثت عن كرسي ما لأجلس عليه ورأيت موقف باص خال فجلست هناك لبعض الوقت ثم انتبهت الى النظرات المتشككة للمارين من حولي .. خشيت أن يُبلغ أحد ما الشرطة عن ذلك المتسكع الذي ينتظر باصاً لن يأتي في هذا الوقت من الليل لذلك قمت مضطراً وتابعت سيري المتعب .

أخذت أفكر بهذه النعمة التي عادة لا نلقي لها أي بال .. نعمة أن يكون لديك مكان تعود إليه في آخر النهار .. مكان تستطيع أن تمارس خصوصيتك فيه بعيداً عن أعين الناس .. المكان الذي أفتقده الآن ولا أدري ما الذي عليّ فعله .. لم أعد أستطيع مقاومة النوم ولا مكان للنوم .. الحدائق مقفلة هي والجوامع ولست أعرف فندقاً آمناً تستطيع أن تنام به من دون أن تدفع الكثير من المال الذي لم أكن أملك كفاية منه أصلاً ..

فكرت بأن أعود وأدق الباب على أصدقائي على أمل أن يكونوا قد عادوا إلى منزلهم بعد سهرة عند أحد معارفهم .. كنت حرفياً على وشك النوم واقفاً وأنا أدق الباب بإلحاح .. الساعة تجاوزت الثالثة والشارع صامت إلا من بعض الأصوات الصادرة من أجهزة تلفاز متفرقة ..

بعد عدة طرقات أخرى أتاني صوت خائف يتسائل من الطارق … أجبت بإنهاك :

  • هذا أنا عامر .. افتح الباب قبل أن تجرني من أمامه .

صوت الباب يفتح ووجه أحد أصدقائي الذي كان ينظر لي بدهشة ثم مد يده وسحبني لداخل المنزل وأغلق الباب بسرعة .

في الداخل وما بين النوم واليقظة بدأت أفهم القصة .. هناك شكاوي عديدة قام بها سكان المنطقة ضد البيوت التي يتم تأجيرها للعساكر والتي يبدو أنها تزداد باستمرار .. هنا بدأت دوريات الشرطة العسكرية بالمجيء وأخذ كل من يمسكون به الى السجن العسكري وهذا شيء سيء كما باستطاعتكم أن تتوقعوا .. لذلك لم يعد أحد منهم يجرؤ على فتح الباب لأي شخص مالم يستطع التأكد من هويته .. خاصة إن كان بمفرده كما حدث مع صديقي الذي بقي بالمنزل بعد أن سافر الجميع .

قال لي وهو يتنهد :

  • أنت محظوظ حقاً .. لقد أوشكت على السفر ثم قررت إلغائه باللحظة الأخيرة .. لا أعرف ماذا كان سيجري معك لو لم أقم بذلك .. غالباً كنت ستضطر للنوم على زاوية شارع ما بجانب ….

ثم توقف عن الكلام وهو يضحك

بدأت أضحك أنا أيضاً ثم غرقت بعدها في نوم عميق ..

في الصباح أيقظتني بضع هزات سريعة .. فتحت عيني ووجدت صديقي واقفاً وهو يحمل وعاءً تتصاعد منه رائحة الفول الزكية .. قال لي وهو يضحك :

  • قم واستعد للإفطار .. لقد توصيت بنوعية الزيت كإعتذار عن ما حصل البارحة .

ضحكت وتمططت وأنا أنظر حولي .. الشمس الداخلة بهدوء من زاوية الغرفة برائحتها النفاذة والهدوء الذي يتخلله صوت القرآن القادم من المسجد القريب مع بعض الأنسام الرحيمة ..

حمدت الله وقمت لأبدأ الحياة .

رابط الصورة البارزة

التصنيفات :قصص من هامش الحياة

5 إجابات »

  1. >>أخذت أفكر بهذه النعمة التي عادة لا نلقي لها أي بال .. نعمة أن يكون لديك مكان تعود إليه في آخر النهار .. مكان تستطيع أن تمارس خصوصيتك فيه بعيداً عن أعين الناس

    نعم هي نعمة لا نتذكرها إلا عند السفر

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s