حديث عن الذات

من الطابق الحادي عشر

أسكن في الطابق الحادي عشر في ضاحية سكنية على أطراف غازي عنتاب .. أحب الإطلالات العالية وقد كنت أتمنى منذ صغري أن أسكن في طابق مرتفع وانتهزت أول فرصة متاحة وفعلتها 🙂 .

البيوت في حلب قليلة الطوابق ومن النادر أن ترى بيتاً يُطل على مساحات كبيرة وإن وُجِد فلا تسألني عن ثمنه .. ما كان يميز البيوت هناك أن سقوفها عالية بعكس السقوف هنا .. هذا يعطي مساحة أكثر للبيت ولكنه متعب من ناحية التنظيف وأكثر برودة في الشتاء .

قد يخطر ببال قارئ ما بأن قصة الطابق الحادي عشر ليست غريبة عليه وأنه قرأ عنها في كتاب ما من قبل .. الواقع أن هذا صحيح لو كنت قد قرأت روايتي حكايا رحمي فؤاد .. إن لم تكن قد قرأتها فأنصحك بذلك .. لقد أتحتها بشكل مجاني ولن يكلفك قراءتها سوى بعض الشتائم وهمهمات الإستهزاء لو لم تعجبك .. لو أعجبتك فسأكون سعيداً لأنك لم تقض وقتك سدى .

أجلس أحياناً في الشرفة أتأمل الشارع البعيد والعربات السائرة فيه بسرعة وهدوء .. هذه من المشاهد التي لا أملُّ من مشاهدتها أبداً وفعاليتها لا تخيب في تهدأت أعصابي وجعلي أمضي في خطوات شرود مريح .. وهي أيضاً من المشاهد التي كنت أحب أن تكون جزءاً من إطلالة المنزل الذي أحب أن أسكنه وتمنيت هذا عدة مرات عندما كنت أزور خطيبتي الثانية.. الثانية !! .. هذه قصة من عدة فصول قد أحكيها في وقت ما ..

أمامي توجد العشرات من النوافذ والشرفات المتوزعة على المباني العالية أيضاً والمجاورة .. الكثير منها .. وأنا بطبعي لا أحب البصبصة على الناس وأحترم خصوصيتهم .. ولكن هناك أحياناً مشاهد تجبرك على تأملها بشكل سريع من دون أن تتعمد ذلك .. أسرة تجلس لتأكل ويصطف الأطفال حول السفرة .. هذا المشهد يذكرني بأيام الطفولة والزحام ببيت جدي .. شخص يجلس متأملاً الدنيا ولا يدري أن هناك من يتأمله هو أيضاً .. فتاة على أعتاب المراهقة تقرأ شيئاً ما من على شاشة هاتفها .. لا تنظر لي هكذا فأنا على أعتاب الأربعين ونظرتي ليست كنظرة مراهق نهم يحسب أن الدنيا هي كتلك المسلسلات المبتذلة التي أدمن مشاهدتها .

ومع أني لست فضولياً بطبعي ولكن أحياناً أتسائل عن تلك الحكايا التي تختفي وراء الشبابيك وتبقى حبيسة ضمن الغرف والبيوت .. الحكايات الصغيرة التي يحتويها كل بيت والتي تشكل أجزاء لعمر كامل بكل ساعات فرحه وأمله وإحباطاته .. الذكريات التي تتشكل باستمرار من دون أن ينتبه أحد لها حتى زمن متأخر .. أتصور أحياناً أن تتاح لي رؤية تلك المشاهد تمر بشكل سريع أمام ناظري في كل مرة أنظر فيها الى نافذة من تلك النوافذ التي تملأ فضاء الليل أمامي .. نوافذ تُفصح بحدة عن ماهية الموجودات ورائها وأخرى تحتجب خلف ستارة وفوقها جلالة الغموض سابلةٌ تفاصيلها المبهمة على عموم المشهد لتزيد من تساؤلاتك لو أزحت الستارة مرة لتريح عينيك المتعبتين من كثر التحديق بشاشة الحاسوب طوال النهار.

أحب مشاهدة تفاصيل الحارات البعيدة .. حركة النهار التي لا تهدأ وأضواء المغيب والشبابيك المضيئة التي تنطفأ رويداً رويداً ليسود بعضها الصمت ويُغزا المكان بالأحلام .

هذه الدنيا التي لا تسعها أعمارٌ كاملة .. الدنيا الملولة التي تعشق التغيير ولا مكان عندها للثبات والدوام .

رابط الصورة البارزة

إجابة واحدة »

  1. >>لو أزحت الستارة مرة لتريح عينيك المتعبتين من كثر التحديق بشاشة الحاسوب طوال النهار.
    بالإضافة للراحة النفسية للنظر لأشياء بعيدة عن الحاسوب فإن له فائدة حسية، حيث عانى أحد زملائنا بمشكلة في عضلات العين فنصحه الطبيب أن ينظر كل فترة لأشياء بعيدة حتى يُمرن عينيه ولا ينظر فقط للقريب منه. لذلك أنا أحب السكن في بيت مفتوح له حوش استطيع وأبنائي أن ننظر إلى السماء بألوانها والقمر بمنازله ولا نكون محصورين فقط بجدران

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s