مواضيع عامة

دومينو وقرقعة نرد

من أكثر الأمور التي تقفز الى ذهني عندما أقرأ رواية ما لنجيب محفوظ أو عن نجيب محفوظ نفسه هي المقاهي .. ذلك المكان الساحر الذي يحوي كل متناقضات البشر ..

كنت أحاول تخيل جلساته الإسبوعية مع شلة الحرافيش والأحاديث التي كانت تدور بينهم .. شلة الحرافيش التي نقلت اجتماعاتها الى عدة مقاهي كمقهى قشتمر وعرابي والفيشاوي .. تلك الشلة التي أسسها الكاتب محمد عفيفي وكانت تضم أعضاء دائمين وغير دائمين مثل الكاتب عادل كامل والفنان أحمد مظهر وصلاح جاهين رحمهم الله وغيرهم .. كانت تلك الإجتماعات وغيرها هي الناطق الحقيقي لحال المجتمع وحقيقة الأمور التي كانت تدور في مختلف الأوقات .. الحقيقة كما هي بعيدة عن التزويق وقول ما هو مناسب والسكوت عن أمور قد تجلب وجع الرأس وما أكثر ما يجلب وجع الرأس .

لم يكن الجلوس على المقاهي من الأمور الشائعة أو المحببة في سوريا التي كنت أعرفها .. وبالنسبة لأغلب الناس كان الجلوس على المقهى يرتبط بالتسكع وتضييع الوقت وبأمور شائنة .. كان هذا الإنطباع مقصوداً فلم يكن محبب للنظام الحاكم أي نوع من التجمعات .. المقاهي أمكنة مثيرة للخوف في نفوس من يريد من الناس كامل الطاعة .. هناك كان يجلس المثقفون مع باقي الناس فينتج عن هذا اللقاء زيادة في الوعي وهذا شيء غير مستحب في تلك البقعة من العالم .. لذلك لم يكن يوجد في حلب على سبيل المثال غير القليل جداً من المقاهي القديمة التي كان أغلب روادها من المسنين الذين جاؤوا للعب الطاولة أو الدومينو ومراقب أو إثنين للأوضاع .

المقهى كان مكاناً يتجمع فيه الناس ويتبادلون فيه القصص والحكايا والخبرات .. يستمعون لبعضهم ويتبادلون أحاديث شتى تتصاحب مع العديد من الضحكات أو صيحات الغضب من موضوع ما بين مؤيد ومعارض .. يواسون الحزانى ويباركون للسعداء .. يتسلون بلعب الشطرنج والطاولة وغيرها ويحاولون نسيان تعب النهار .. يتحدثون في السياسة في زمن كانوا يستطيعون فيه فعل ذلك ثم يصمتون بعدها وهم يصيغون السمع للمذياع الذي بدأ ينقل حفل أم كلثوم الشهري ..

وبالنسبة لكبار السن كان المقهى هو علاقتهم بالحياة بعد أن توقفت من زاوية العمل ومن زاوية البيت الذي فرغ من أحبائه الذين شق كل منهم طريقاً خاص به وأغرقته تفاصيل الأيام وأنسته البيت القديم.

لقد أصبحت المقاهي هذه الأيام عبارة عن أماكن يزورها السياح ويجلس فيها البقية الباقية من روادها القدامى .. أحياناً يشعر بعض الشباب بالحاجة الى كسر الروتين ويذهبون لهناك لا كزبائن أصلاء بل كجالسين في مكان يشبه الكافيتريا التي أصبحت بديلاً فارغ المضمون عن المقهى .

رابط الصورة البارزة

التصنيفات :مواضيع عامة

تم وسمها:،،

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s