قصص قصيرة

في انتظار الوقت الملائم

نظر ساهماً الى الساعة التي تعدت التاسعة بدقائق قليلة .. هل الوقت ملائم يا ترى !؟

أدار ناظريه نحو النافذة .. الشارع المظلم القليل المارة وأصوات العربات القادمة من بعيد وذلك الضوء المتوهج الذي يأتي من الشارع الرئيسي الغير ظاهر منه إلا حواف المباني المشرفة عليه.

هل الوقت ملائم يا ترى !؟

عاد السؤال يلح على عقله .. أراد أن يهرب من الإجابة فالتقط معطفه وارتداه على عجل وهو يصفق باب البيت خلفه هابطاً على الدرج بخطوات سريعة .

وقف أمام باب المبنى المهترأ .. البرد الخادع المجرد من الرياح الذي يفاجئك بوجوده ويلهب جسدك برعدة أليمة .. ضم معطفه أكثر وهو يسرع الخطا باتجاه الأصوات والأضواء ..

مر من أمام دكان بائع الساعات العجوز .. ورأى من خلال زاوية عينه انعكاسه على واجهة المحل .. ذلك الضوء الأصفر الكئيب المنعكس على وجه صاحب الدكان بطريقة لم تعطي المشهد أي بهجة .. بائع الساعات الذي اختار دكانه كمنفى لا يكاد يخرج منه ولم يره مغلقاً مهما أبكر في الاستيقاظ أو تأخر في الرجوع للبيت ..

الدكان المفتوح دائماً .. هل مات صاحبه منذ زمن ونحن نظنه حياً !؟ .. الدكان عديم الزبائن وصاحبه القابع دائماً على كرسي كأنه مومياء هامدة ..

اقترب من الشارع الرئيسي وبدأ روائح الأطعمة ودخان السجائر بالتسلل إليه .. شعر بهزة قصيرة قادمة من جيب المعطف فمد يده وأمسك الهاتف وألقى نظرة سريعة على الشاشة.

آه !؟ .. لقد نشرت صورة اليوم.

ضغط على التنبيه فسطع ضوء الشاشة وظهرت صورة فتاة تقف على شرفة صغيرة بابتسامة مرهقة .. الصورة عديمة الألوان المشبعة بالتفاصيل التي تراها تارة عيناه ويراها قلبه تارة أخرى .

غمره ضوء الشارع فضيق عينيه قليلاً وشعر ببعض الدوار .. الصمت المطبق الذي خلّفه ورائه بدا كأنه لم يكن إزاء هذا الزحام المهول من البشر الذي لم يُبق مكاناً خالياً لخطواته فأخذ يسير ببطء على تلك المسافة القليلة الفاصلة بين العربات والرصيف .

تأمل وجوه الناس في فضول .. تلك الملامح التي تحاول أن تصمد أمام حقيقة أن الأمور ليست على ما يرام .. الملامح المتصلبة التي تبحث عن إبتسامة ما بلا جدوى .. أحياناً يرى شبح ابتسامة تنبعث من جراء حديث ماتلبث أن تستحيل لمسحة كآبة وكأنها أفرغت البقية الباقية من قدرت تلك الملامح على القيام بفعل الابتسام .

رائحة الحلوى المقلية بالزيت ووهج الدفء نفاذ الرائحة .. ودكان الهدايا الذي علّق قلوب حب حمراء متوهجة بأضواء تخفت وتسطع باستمرار .. لم يبدو له هذا المشهد معبراً عن الحب وخطر له أنه أشبه بلوحة جنائزية ومزار له لا أكثر .. من ذلك البائس الذي يبحث عن الحب في دمى الدببة القطنية وتلك القلوب الكهربائية ..

حب في غرفة إنعاش بلا أمل

هزة سريعة أخرى .. التقط الهاتف بسرعة وفتح الشاشة مباشرة .. ها هي ذي صورة أخرى .. غريب .. لم تعتد أن تنشر أكثر من صورة في اليوم ..

عيناها مغمضتان في عمق وأصابعها متشابكتان بالقرب من عنقها في تنهد طويل وستارة الشرفة تملأ ما تبقى من المشهد .

عاد للتفكير في الهاجس الذي دفعه للخروج من غرفته في هذا الوقت ..

هل الوقت ملائم يا ترى !؟

كان قد وصل الى نهاية الشارع الذي بدأ يتفرع الى شوارع أخرى أضيق وأقل محلات ومارة سرعان ما تضيق أكثر ويُنزع منها ما يغريك بالتسكع والمرور بها .

وقف متردداً لدقائق ثم عقد حاجبيه وسار بسرعة وتصميم نحو إحدى تلك الشوارع الضيقة .. الأضواء الباهتة تتسارع هي الأخرى عبر ملامح وجهه الحادة وطقوس الشارع الصاخبة تتضائل من وراءه ببطء ..

بدأت أصوات التلفاز المختلطة بأحاديث سهرات البيوت بالتسلل الى أسماعه .. همهمات وضحكات وأصوات تعلوا وتنخفض باستمرار .. لمح عمود النور إياه من بعيد فشعر بدفء مفاجىء يملأ قلبه .. ها أنا قد اقتربت جداً ..

لاحت له الشرفة فخفق قلبه مع تسارع خطواته أكثر .. انحرف نحو بقعة مظلمة يمين الشارع .. نظر حوله بحذر عدة مرات ثم أضاء شاشة الهاتف ومرق بسرعة من خلال فتحة جدار الحديقة المتهدم .. وقف خلف الشجرة القابعة في زاوية الحديقة قرب الشرفة ونظر باتجاهها .. مازالت تقف هناك مغمضة العينين وقد استندت يداها على قضبان الحديد المتآكل ..

فتح أحد تطبيقات الدردشة وكتب جملة واحدة وضغط زر الارسال .

أصدر هاتفها تنبيهاً سريعاً ففتحت عيناها بتساؤل ونظرت له بسرعة ثم ابتسمت بدهشة وألقت بصرها نحو الشجرة القابع خلفها .. أضاء شاشة هاتفه نحو وجهه فاتسعت ابتسامتها وهي تكتم ضحكتها ولوحت له بحركة سريعة ..

تبادلا التأمل لدقائق في سكون .. أصوات الصحون والملاعق تقرعان طاولة ما ..

عاد ليكتب عبارة سريعة أخرى وضغط زر الارسال .

أخفضت بصرها مع صوت التنبيه القادم من هاتفها وقرأت تلك العبارة :

هل سيأتي الوقت الملائم في وقت ما !؟

أغمضت عيناها في حزن وأدارت رأسها للخلف عبر الستارة نحو أمها المستلقية بجمود على إحدى الآرائك أمام التلفاز .. نحو والدها العجوز الذي كف عن الكلام منذ زمن طويل .

عادت لتنظر له هازت كتفيها في خيبة وألم ..

لوحت بيدها مرة أخرى وعادت أدراجها نحو الغرفة وأغلقت الباب .

التصنيفات :قصص قصيرة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s