قصص من هامش الحياة

ذلك الكابوس

أريد أن أتكلم اليوم عن الكوابيس .. ليس موضوعاً محبباً للكلام عنه .. أليس كذلك !؟ .. ستخطر ذكريات معينة ببال أي شخص يقرأ هذه الكلمات .. قد تكون مبهمة وقد يكون مجرد شعور مقبض من دون أية تفاصيل أخرى ..

عادة ما تأتي الكوابيس بعد ساعات قلق مزمن فشلت في جلب الأرق فأتت بشيء سيء آخر .. قد تكون وجبة دسمة جعلت من مجرد التنفس نوعاً من المعاناة .. قراءة رواية مرعبة .. مشاهد فيلم رعب .. هاجس ما يظهر لك مجسّداً في المنام .. رعب يأتي برعب.

عندما كنت صغيراً كانت معظم كوابيسي تتلخص بكيان ما شرير موجود في البيت وأنا ثقيل الكلام والحركة ولا أستطيع الهرب .. كان منها ما هو واضح أكثر من اللازم لدرجة مرعبة هي الأخرى .

عموما لم تكن لي تجربة خاصة مع الكوابيس حتى تلك الفترة من عام 2013 .. كنت وقتها قد عدت للسفر الى تركيا بعد أن تأكدت من أن لم يعد هناك حياة في حلب .. هذه مدينة تموت وستأخذ معها كل من بداخلها .. أصبحت الحركة عسيرة جداً مع ازدياد حواجز أمن النظام .. كنت تراهم في نهاية وبداية كل شارع .. صار الذهاب الى العمل أمراً خطراً بامتياز .. الخيارات السوداء لما قد يحصل متنوعة ومبهجة حقاً .. قد تُعتقل من قبل حاجز أمن أو حاجز من الشبيحة لأتفه سبب .. الكنية مثلاً .. بيت الحريري عائلة منتشرة جداً في درعا وهذه تهمة كافية لكي ترى نفسك في غرفة ما مزدحمة بالمعتقلين .. الرصاص الطائش .. مرة كنت أمشي في حي الجميلية عندما ضربت رصاصة الواجهة الحديدية لمحل مغلق كنت أمر بجانبه وأصدرت صوت احتكاك مثير للقشعريرة ..

ولكي أتجنب المرور من الحواجز قدر الامكان رسمت لنفسي خط سير محدد يخلوا تقريباً من الشوارع الرئيسية .. كنت مضطراً للسير لمسافة طويلة يومياً لكي أحقق ذلك .. من شارع جانبي لآخر ومن منطقة لأخرى حتى أصل للمكتب وهكذا في وقت العودة .. ها أنا ذا أستفيد من عادتي في المشي الطويل وإلا لما كنت سأقوى على فعل هذا بشكل يومي ..

هل هذا طريق آمن !!؟ .. وهل سيبقى آمناً !؟

هل سأجد في يوم ما حاجزاً في انتظاري ؟

وأتى ذلك اليوم الذي بدأت فيه الصواريخ بالتساقط على المباني في المنطقة التي يقع فيها بيت أهلي الذي كنت أقيم فيه بعد سفرهم واستحالة عودتي الى بيتي الذي أصبح في منطقة مواجهة بين الطرفين ..

لماذا تتساقط تلك الصواريخ على مبان سكنية !؟ ومن كان يطلقها بالتحديد ؟؟ الله وحده أعلم بذلك

هنا أدركت أن المكوث ليوم آخر سيكون ضرباً من الجنون .. كيف سأستطيع الذهاب الى العمل وترك زوجتي وطفلتاي لهذه الظروف العبثية .. وقد كان .

وبعد وصولي الى تركيا بمدة قصيرة بدأ ذلك الكابوس .. كان المشهد يتغير أحياناً ولكن بمضمون واحد .. أنا أمشي في الشوارع المظلمة الخالية من البشر وأحياناً في شوارع فيها بعض البشر في ساعة مغيب .. يظهر أمامي فجأة حاجز في آخر الشارع فأسأل نفسي في دهشة : ألم يكن هذا الشارع خالياً منهم !؟

خطوتين اضافيتين أتذكر بعدها أنني نسيت هويتي في البيت .. رعب عاصف يملئني وأنا أنظر لأفراد الحاجز الذين وقفوا ينظرون باتجاهي .. أقدامي ثقيلة على غير العادة .. أفكر بالهرب .. ولكن كيف بعد أن رأوني ؟ .. يأتيني الجواب بعد أفتح عيناي لأكتشف أنني بعيد والحمد لله عن كل هذا .

ظل هذا الكابوس يزورني طيلة أشهر طويلة بشكل شبه يومي .. ودائما كنت أجرب شعور انعدام الحيلة والرعب من ما سيأتي قريباً جداً .. لم أستطع أن أكتشف في أي مرة من عشرات المرات تلك أنه مجرد كابوس ..

شوارع وبيوت مظلمة يصدر منها أصوات كئيبة لأناس فقدوا الأمل بالمطلق .. هذا جزء حقيقي من كابوس أكبر يومي يجري هناك .. الخراب والحُفر .. العتمة التي لا نهار قبلها ولا بعدها .. السير البطيء وذلك الاكتشاف المرعب الذي يأتي في آخر الكابوس ..

حتى أتت تلك الليلة التي تغير فيها الوضع نوعاً .. التفاصيل نفسها حتى أتت لحظة اكتشافي لنسيان هويتي في البيت .. هنا تقدم العسكري من على الحاجز وأمسك بي وجرني نحو خيمة وضِعت في زاوية الشارع .. مساعد عجوز يجلس داخلها أمسك بسماعة هاتف قديم واتصل بفرع ما كي يأتوا لأخذي .. أنا أجلس داخل الخيمة أنتظر ما سيحدث بعدها عندما استيقظت .. ولم يعد يأتي الكابوس بعدها .. يبدو أنه ملّ من اللعب معي فرحل نحو بائس آخر .

رابط الصورة البارزة

التصنيفات :قصص من هامش الحياة

تم وسمها:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s