من الحياة

جُودة الذي في كل مكان

عامة لا أحب مشاهدة المسلسلات العربية وبالأخص ما بدأ يعرض في السنوات الأخيرة .. زمان كان يشكل المسلسل العربي نقطة مهمة في الحياة اليومية للناس .. كانت القنوات قليلة والبث محدود الساعات ولم يكن يبث على القنوات المحلية سوى مسلسل أو مسلسلين طوال النهار .. كانت المسلسلات وقتها ملائمة لحد كبيرة للمشاهدة العائلية لذلك كانت تتحلق العائلة كلها لمتابعة الأحداث التي تتوالى تباعاً حتى الحلقة الأخيرة .. وبطبيعة الحال كان وما زال هناك ما هو فاخر كالمسلسلات المأخوذة من روايات لكتّاب كبار كنجيب محفوظ وصولاً لتلك التجارية الرديئة التي لا تستحق النظر ولو لثوان لها .. لكن في الفترة الأخيرة لم تعد تستطيع أن تقول أن أكثر المسلسلات المذاعة هي موجهة للمشاهدة العائلية بل أن العديد منها هي أداة فعّالة للتخريب الأخلاقي والوجداني وكلما طرح هذا الموضوع يتبجح صانعوها وممثلوها بأنها تعكس الواقع الإجتماعي !! ..

العجيب في هذا الكلام أنه يصف المجتمع بشكل يجعلنا نشك أننا نعيش فيه أصلاً وكأنه مجتمع آخر في دنيا أخرى لأننا اذا افترضنا أنهم يتكلمون عن نفس المجتمع الذي نعيشه فيه فمعنى هذا أننا نعيش في ماخور كبير وهذا ليس صحيحاً إطلاقاً .. المشكلة هنا أنهم إما يصفون المجتمع الذي يعيشون فيه هم أو أن هدفهم .. وهذا جزء كبير من الحقيقة .. هو تجاري بحت تحت مبدأ أن كل ممنوع مرغوب وأن هذه الأمور هي التي تجلب أكوام كبيرة من المال من مموّلين يريدون هذا النوع من المسلسلات بالتحديد ..

وأنا أستغرب كيف أن من يقدمون أنفسهم أو يتم تقديمهم على أنهم النخبة المثقفة والواعية في المجتمع ينتجون تلك الأعمال التي تصف العلاقات المفككة والتصرفات الشاذة والإنحراف والمنحرفين على أنها الواقع الاجتماعي وأن حثالات المجتمع الشاذة هي المجتمع تحديداً .. هذا شيء غريب فعلاً ويشكك بحقيقة انتمائهم المجتمعي .

لكن في العموم الأعمال الجيدة مازالت موجودة .. هناك معايير عامة لتقييم أي عمل ولكن على المستوى الشخصي أعجبتني أعمال درامية كمسلسل أهل كايرو ومسلسل نيران صديقة ومسلسل ضيعة ضايعة السوري .. أريد أن أتوقف عند هذا المسلسل الذي نجح ممثلوه بأن يعطوا شخصيات أيقونية بشكل كامل بحيث لم تعد تستطيع معرفة من بطل المسلسل بالتحديد .. لكن في العموم شخصيتي المسلسل الرئيسيتين هما : أسعد وجودة الجاران اللذان يعيشان في تلك القرية على ساحل المتوسط السوري .. أسعد الإنسان الطيب لدرجة البلاهة وجودة الثعلب البسيط الذي يمثل كل نوازع الأنانية والغيرة واصطياد الفرص والذي لا يكف على النصب على أسعد البسيط وأخذ أمواله في النهار والسطو على دجاجاته في الليل ..

كان ضغطنا يرتفع ونحن نشاهد سلبية أسعد وعدم قيامه بفعل أي شيء تجاه عمليات النصب اليومية التي يقوم بها جودة بحقه .. كان سبب غضبنا هو أننا بشكل بسيط وبديهي لم نكن لنسمح لأي شخص بأن يستغلنا ويستولي على نقودنا بهذه الطريقة.

لكن الحقيقة أننا من الممكن جداً أن نتعرض لمثل عمليات النصب تلك من دون أن نشعر بها إلا في وقت متأخر هذا إن شعرنا بها من الأساس .. دعنا نتفق هنا أن الأشياء القيمة في الدنيا ليست هي النقود فقط .. هناك أمور أخرى أكثر قيمة منها بكثير .

في السنوات الماضية تعرفت على شخص في محيط العمل .. كان هذا الشخص في منصب مهم قبل أن تحدث أمور معينة تتسبب في فقدانه لهذا المنصب .. ولأنه لم ينسى ما جرى له فكان يتحدث باستمرار عن ذلك باعتباره مؤامرة تسببت له في أذى كبير .. شعرت بتعاطف كبير معه ومع الوقت نمت بيننا صداقة كبيرة بحيث كنا نذهب لتناول طعام الغذاء سوية بشكل يومي ونتمشى بعد العمل لوقت ليس بقليل قبل أن يذهب كل منا الى بيته .. وكان لا يكف عن الحديث طوال الوقت عن ما جرى له وعن أمور كثيرة تخصه بشكل شخصي حدثت وتحدث معه في محيط العمل وخارج محيط العمل ويتحدث عنها وعن ردود أفعاله بطريقة مثالية وكنت لا أكف عن نصحه وإبداء الرأي في تلك الأمور بدافع الصداقة والحرص عليه .. وكان هذا يأخذ من وقتي وأعصابي القدر غير اليسير ..

مع الزمن ومن خلال أحداث عديدة بدأت أكتشفت ببطء أن الأمور ليست كما يصورها لي بالضبط وخاصة أن التزامه بأصول العمل ليس كما يجب وكما كان يصوره لي .. الى أن جاء وقت نجح فيه من خلال التواصل مع جهات ما أن يظفر بمنصب جيد .. وبعدها لم يعد هناك من داع لمتابعة دور البطل المظلوم .. وهكذا تبين لي أنه كان يقوم بسرقة وقتي بلا طائل بدعوى الصداقة التي لم تكن حقيقية قط بل هي الحاجة لوجود شخص بجانبه من ضمن محيط العمل لا أكثر..

وقت كان من الممكن أن أستغله بأمر حقيقي ومفيد ..

وقت لا يقل قيمة عن النقود التي كان يأخذها جودة من أسعد من دون أي منطق أو سبب أخلاقي .. من الممكن في فترات ما أن يكون في حياتنا جودة لا يختلف كثيراً عن جودة الذي يلازم أسعد دائماً بانتظار اقتناص مكسب أو فرصة ما ليتركنا بعدها ويعود الى بيته وهو يضحك هازئاً في سره من طيبتنا وعفويتنا وردود أفعالنا التي نبنيها على أسس أخلاقية .

جودة الذي في كل مكان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s